مرتضى الزبيدي

203

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

الاختفاء عن أعينهم فإنما خوفه من أن يقال أنه قاسي القلب فينبغي أن يترك التباكي . قال لقمان عليه السلام لابنه : لا تر الناس أنك تخشى اللّه ليكرموك وقلبك فاجر . وكذلك الصيحة والتنفس والأنين عند القرآن أو الذكر أو بعض مجاري الأحوال تارة تكون من الصدق والحزن والخوف والندم والتأسف ، وتارة تكون لمشاهدته حزن غيره وقساوة قلبه ، فيتكلف التنفس والأنين ويتحازن وذلك محمود ، وقد تقترن به الرغبة فيه لدلالته على أنه كثير الحزن ليعرف بذلك ، فإن تجردت هذه الداعية فهي الرياء ، وإن اقترنت بداعية الحزن فإن أباها ولم يقبلها وكرهها سلم بكاؤه وتباكيه ، وإن قبل ذلك وركن إليه بقلبه حبط أجره وضاع سعيه وتعرض لسخط اللّه به ، وقد يكون أصل الأنين عن الحزن ولكن يمده ويزيد في رفع الصوت فتلك الزيادة رياء ، وهو محظور لأنها في حكم الابتداء لمجرد الرياء ، فقد يهيج من الخوف ما لا يملك العبد معه نفسه ولكن يسبقه خاطر الرياء فيقبله فيدعو إلى زيادة تحزين للصوت أو رفع له أو حفظ الدمعة على الوجه حتى تبصر بعد أن استرسلت لخشية اللّه ، ولكن يحفظ أثرها على الوجه لأجل الرياء . وكذلك قد يسمع الذكر فتضعف قواه من الخوف فيسقط ثم يستحيي أن يقال له أنه سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة ، فيزعق ويتواجد تكلفا ليرى أنه سقط لكونه